الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
413
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بعد قيام دليل قطعي على حرمة العمل بالظن بل ليس ما دل على حرمة العمل به من الأدلة الظنية معا ولا للضرر المظنون في إتلاف مال اليتيم وتعطيل أمور المسلمين وأنواع العسر والحرج في الدين فمع عدم قيام دليل قطعي من الجانبين ليس في حكم العقل إلا ملاحظة جانب الرجحان والمرجوحية من الطرفين والأخذ بما هو الأقوى منهما في نظر العقل وإلا بعد من ترتب الضرر حسبما مرت الإشارة إليه في الدليل المتقدم فالعاقل البصير لا بد أن يلاحظ مضار طرفي الفعل والترك في كل مقام ويأخذ بما هو الأقوى بعد ملاحظة الجهتين ولا يقتصر على ملاحظة أحد الجانبين فإن مجرد كون الاحتياط حسنا في نفسه لا ينفع في مقابلة حفظ النظام ورفع المنكر وإقامة المعروف وإغاثة الملهوف ورفع العسر والحرج وحفظ النفوس والأموال عن التلف وعدم تفصيل الأحكام إلى غير ذلك من الفوائد المترتبة على الفتوى فلا وجه لترجيح جانب الاحتياط بعد انسداد باب العلم في المسألة وترك العمل بالظن الحاصل من الطرق الظنية بل لا بد في كل مقام من ملاحظة الترجيح والأخذ بالراجح غاية الأمر أن يكون في الاحتياط إحدى الجهات المحسنة وهذا هو السر في القول بالأخذ بالظن بعد انسداد سبيل العلم قلت ويرد عليه أما على ما ذكره أولا فبأنه خارج عن قانون المناظرة لكونه منعا فإن المورد المذكور بين توقف ما ذكره المستدل على ثبوت وجوب الإفتاء والعمل إذ مع البناء على عدمه لا قاضي بلزوم الأخذ بالظن لإمكان البناء على التوقف والاحتياط حسبما ذهب إليه الأخباريون في موارد الشبهة وانتفاء الدليل القاطع على حكم المسألة وحينئذ أورد عليه بمنع المقدمة المذكورة حيث لم يثبته المستدل ولم يقم عليها حجة بل لم يأخذها في الاحتجاج فمع المنع المذكور مما لا وجه له لاكتفاء المورد في المقام بمجرد الاحتمال الهادم للاستدلال وأما على ما ذكره ثانيا فبأن القول بعدم وجوب تحصيل القطع بعد انسداد سبيل العلم لا يقتضي إثبات المقدمة المذكورة لقيام الاحتمال المذكور فيما انسد فيه سبيل العلم كيف ومن البين أنه بعد انسداد سبيل العلم لا يتصور التكليف بتحصيل العلم ومع ذلك ذهب الأخباريون في غير المعلومات إلى وجوب التوقف والاحتياط نعم قد يورد في ذلك انسداد سبيل العلم في معظم المسائل مع القطع ببقاء التكليف بعده فيثبت بذلك المقدمة الممنوعة حسبما ذكر ذلك في الدليل الأول حيث أثبت بها بين المقدمتين كون المكلف به هو العمل بغير العلم فحينئذ يرد عليه ما مر في الدليل المتقدم مع أن ذلك غير مأخوذ في هذا الاستدلال وأما على ما ذكره ثالثا فبأن عدم ثبوت دليل قاطع أو سنة إلى القطع كاف في التوقف عن الفتوى فإن الحكم بالشيء يحتاج إلى الدليل لا التوقف عن الحكم سيما بعد حكم العقل والنقل بقبح الحكم من غير دليل وحرمته في الشريعة فإذا لم يثبت حينئذ جواز العمل بمطلق الظن كان قضية ما ذكرناه التوقف عن الفتوى قطعا وحيث لم يقطع حينئذ بجواز البناء على نفي التكليف رأسا كان اللازم في حكم العقل من جهة حصول الاطمئنان بدفع الضرر هو الأخذ بالاحتياط نعم لو قام دليل قاطع على جواز الأخذ بغيره كان متبعا ولا كلام فيه وأما مع عدم قيامه فلا حاجة في إثبات وجوب الاحتياط إلى ما يزيد على ما قلناه وأما على ما ذكره رابعا فبأن ما ينسد فيه سبيل الاحتياط لا يجب فيه الحكم بأحد الجانبين إلا مع قيام الدليل على تعيين أحد الوجهين بل لا بد مع عدم قيام الدليل كذلك من التوقف عن الفتوى وما ذكره من أنه لا دليل قطعي أيضا على جواز السكوت إلخ إن أراد به عدم قيام الدليل القطعي من أول الأمر على جواز السكوت وترك الحكم ومع عدم قيام الدليل القاطع على أحد الجانبين أو عدم قيام الدليل القطعي عليه حينئذ مطلقا ولو بعد ملاحظة عدم قيام الدليل القاطع على جواز الحكم بعد العلم ولا على عدم جوازه فإن أراد الأول فمسلم ولا يلزم منه عدم العلم بجواز السكوت وترك الحكم وإن أراد التالي فهو مدفوع بما هو ظاهر عقلا ونقلا من عدم جوازه بغير دليل فإذا فرض عدم قيام الدليل على جواز الحكم تعين البناء على المنع منه وكان ذلك حكما قطعيا عند العقل بالنسبة إلى من لم يقم دليل عنده نعم لو قام هناك دليل على وجوب الحكم ودار الأمر بين الحكم بالمظنون وغيره فذلك كلام آخر لا ربط له بما هو بصدده إذ كلامه المذكور مبني على الغض عن ذلك فحكمه بالتساوي بين الحكم وتركه في التوقف على قيام الدليل عليه ليس على ما ينبغي لوضوح الفرق بينهما بما عرفت فإن عدم قيام الدليل على الحكم كاف في الحكم بالمنع منه حتى يقوم دليل على جوازه وإن اشتركا في لزوم تحصيل القطع في الجملة في الإقدام والإحجام وقوله مع عدم قيام دليل قطعي من الجانبين ليس في حكم العقل إلخ إن أراد به ملاحظة حال الرجحان والمرجوحية بالنظر إلى الواقع أو من جهة التكليف الظاهري بالنسبة إلى جواز الإقدام على الفعل والترك فإن كان هو الأول فالأخذ بما هو الراجح غير لازم إذ قد يكون الراجح في نظر العقل حينئذ هو ترك الأخذ به وعدم إثبات الحكم بمجرد الرجحان الغير المانع من النقيض وإن أراد الثاني فلا ريب في أن ما يحكم به العقل بعد انسداد سبيل العلم وعدم قيام دليل على الأخذ بالظن هو ترك الحكم كيف ومن البين على وجه الاحتمال عدم جواز الحكم من غير دليل فإذا لم يقم دليل على جواز الركون إلى الظن كان الحكم بمقتضاه محظور وإنما يصح الحكم به لو قام دليل على جواز الحكم بمقتضاه وهو حينئذ أول الكلام فمجرّد استحسان العقل وملاحظة الجهات المرجحة للفعل أو الترك لا يقطع عند المكلف في الإقدام على الحكم بعد ملاحظة ما هو معلوم إجمالا من المنع من الحكم بغير دليل فظهر بما قررنا أنه مع الغض عن ثبوت وجوب الحكم في الصورة المفروضة عند الدوران بين الوجهين لا وجه للاحتجاج المذكور أصلا فما رأسه من إتمام الدليل مع ترك أخذه في المقام فاسد الثالث أن مخالفة المجتهد لما ظنه من الأحكام الواجبة أو المحرمة أو ما يستتبعها من المظنة للضرر وكل ما هو مظنة للضرر تركه واجب فيكون عمل المجتهد بما ظنه واجبا والكبرى ظاهرة وأما الصغرى فلأنه إذا ظن وجوب شيء أو حرمته فقد ظن ترتب العقاب على ترك الأول وفعل الثاني وهو مفاد ظن الضرر وأورد عليه تارة بمنع الكبرى ودعوى الضرورة فيها غير ظاهر غاية الأمر أن يكون أولى رعاية الاحتياط ولو سلم ذلك فإنما يسلم في الأمور المتعلقة بالمعاش دون الأمور المتعلقة بالمعاد إذ لا استقلال للعقل في إدراكها وتارة بمنع الصغرى فإنه إنما يترتب خوف الضرر على ذلك إذ لم نقل بوجوب نصب الدليل على ما يتوجه إلينا من التكليف وأما مع البناء على وجوبه فلا وجه لترتب الضرر مع انتفائه كما هو المفروض وأخرى بالنقض بخبر الفاسق بل الكافر إذا أفاد الظن ولا يتم القول بالتزام التخصيص في ذلك نظرا إلى خروج ما ذكر بالدليل يبقى غيره تحت الأصل لعدم تطرق التخصيص في القواعد العقلية الثابتة